فخر الدين الرازي

111

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه ) * وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي * ( ثمره ) * بضم الثاء والميم ، وقرأ أبو عمرو * ( ثمره ) * بضم الثاء وسكون الميم والباقون بفتح الثاء والميم . أما قراءة حمزة والكسائي : فلها وجهان : الوجه الأول : وهو الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر كما قالوا : خشبة وخشب . قال تعالى : * ( كأنهم خشب مسندة ) * ( المنافقون : 4 ) وكذلك أكمة وأكم . ثم يخففون فيقولون أكم . قال الشاعر : ترى الأكم فيها سجداً للحوافر ( c ) والوجه الثاني : أن يكون جمع ثمرة على ثمار . ثم جمع ثماراً على ثمر فيكون ثمر جمع الجمع ، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر كقولهم : رسل ورسل . وأما قراءة الباقين فوجهها : أن الثمر جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر ، وشجرة وشجر ، وخرزة وخرز . والبحث الثاني : قال الواحدي : الينع النضج . قال أبو عبيدة : يقال ينع يينع ، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل . وقال الليث : ينعت الثمرة بالكسر ، وأينعت فهي تينع وتونع إيناعاً وينعاً بفتح الياء ، وينعاً بضم الياء ، والنعت يانع ومونع . قال صاحب " الكشاف " : وقرئ * ( وينعه ) * بضم الياء ، وقرأ ابن محيصن * ( ويانعه ) * . والبحث الثالث : قوله : * ( انظروا إلى ثمره إذا أثمر ) * أمر بالنظر في حال الثمر في أول حدوثها . وقوله : * ( وينعه ) * أمر بالنظر في حالها عند تمامها وكمالها ، وهذا هو موضع الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية . ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها على صفات مخصوصة ، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى ، بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة ، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة ، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة ، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة ، فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسباباً لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك وجب إسنادها إلى القادر المختار الحكيم الرحيم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والمصلحة والحكمة . ولما نبه الله سبحانه على ما في هذا الوجه اللطيف من الدلالة قال : * ( إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون ) * قال القاضي : المراد لمن يطلب الإيمان بالله تعالى ، لأنه آية لمن آمن ولمن لم يؤمن ، ويحتمل أن يكون